مهرجان القاهرة السينمائي الدولي محمد بوغلاب يكتب: العفو والغفران في مواجهة الثأر والإنتقام ؟

0
123

إنطلقت رحلة مشاهدة الأفلام في مهرجان القاهرة، لن أزعجكم بالعودة إلى جزئيات التنظيم، إذ يبدو أن العرب اتفقوا على أن التنظيم مفسدة مهلكة وحتى لا ينقرض جنس العرب علينا أن نتضامن في تأكيد الفوضى .
إذ من غير المفهوم أن يقلص المهرجان من شبابيك حجز التذاكر مقارنة بالعام الماضي، ولكن ما باليد حيلة
سيجد صاحب الطلعة ألف سبب وسبب، فلنطو الصفحة ونمر.
من أفلام المسابقة الدولية “نينا” الفيلم الثاني للمخرج السلوفاكي جوراي ليوتسكي في إنتاج مشترك مع دولة التشيك، قصة”نينا” طفلة في الثانية عشرة من عمرها، ينفصل أبواها ويختار كل منهما العيش لنفسه، ترتبط الأم بصديق في ما ينهمك الأب في عمله سائق رافعة عملاقة
تجد”نينا” نفسها ممزقة بين الإثنين، لا شيء سوى العراك وتبادل الشتائم وتهديد الأم المتواصل بحرمان الاب من رؤية ابنته
لاذت”نينا” بالسباحة التي اتقنتها منذ الصغر، تتخفف من عبء المشاكل اليومية التي فرضها انفصال أبويها وتجعل لنفسها هدفا هو الفوز في مسابقة ستنتظم قريبا

تيمة انفصام الروابط الأسرية دارجة في أفلام دول اوروبا الشرقية في العشرية الأاخيرة، كأن تفكك بنيان الدولة ليس الا تمثلا من تمثلات كثيرة ممكنة لما يمكن ان يصيب علاقاتنا الإنسانية التي طغت عليها الأنانية والفردانية المتوحشة.
لا يحتاج المرء إلى قضايا ملحمية ليصنع فيلما، لعل الحكايات اليومية جديرة بأن تكون ملاحم سينمائية
ينقسم الفيلم في معالجته الدرامية إلى قسمين، رصد لمشاعر “نينا”، كيف تعيش الخصام الذي لا ينقطع بين أبويها
وقسم ثان يكشف نظرة الام كما الأب لواقع انفصالهما
تجري أحداث الفيلم نحو التصعيد المتواصل، قسوة أشد وخصام أكثر حدة، حتى لحظة إختفاء نينا بعد أن منعتها أمها من المشاركة في السباق
كيف سيتصرف الأبوان؟ هل سيصمد العداء أو تتغلب مشاعر العفو والغفران ؟
وفي المسابقة نفسها فيلم “قتل عيسى” للكولومبية لورا مورا ، قصة “ليتا” طالبة من عائلة من البورجوازية الصغيرة إبنة أستاذ في العلوم السياسية لا تعجب مواقفه كثيرين

خلال عودة ليتا مع أبيها إلى المنزل يتعرض الأب إلى الإغتيال بوابل من الرصاص.
عاشت المخرجة الحادثة في الواقع قبل أن تصورها، فقد كانت شاهدة على إغتيال أبيها في احد شوارع كولومبيا في واضحة النهار.
كيف لسينمائية ان تعيش قتل ابيها مرتين؟ مرة في الواقع ومرة في عالم الرواية والتخييل؟
إختارت لورا مورا أورتيغا شوارع مادلان في كولومبيا لتصوير “قتل عيسى” واختارت ممثليها من الشارع لتمنح قصتها واقعية اكبر
تلاحق ليتا قاتل ابيها ساعات قبل الإحتفال بعيد ميلاد المسيح ، لتكتشف ان إسمه عيسى، شاب نكرة من احد الاحياء الفقيرة في مادلان
لا شيء يستحق الذكر عن سيرته، ميال الى الصمت هو في خدمة من يطلب ويدفع حتى لو كان الطلب القتل
يقتل عيسى ضحايا لا سابق معرفة له بهم، لا جريمة لهم
ولا يوجد سبب منطقي ليصوب مسدسه القاتل نحوهم
هو أصلا لا يعرف لماذا يقتل هؤلاء …
هو ببساطة يؤدي عملا بمقابل
تخطط ليتا للانتقام والثار لأبيها بعد ان تأكدت من تهاون السلطات في البحث عن القاتل ، جريمة مثل غيرها وملف ضمن ملفات كثيرة دون عد ستقيد ضد مجهول
تحين اللحظة الحاسمة لتقتل ليتا قاتل ابيها وتثأر لدمه المهدور، ولكنها تتراجع رغم مشاعر الكره والغضب
تنتصر مشاعر العفو والغفران مرة اخرى
عرض فيلم “قتل عيسى”هو الأخر في مهرجان تورنتو أحد أهم المهرجانات السينمائية في العالم، مثله مثل”نينا”
ما الذي جعل مخرجين احدهما من سلوفاكيا والثانية من كولومبيا يتناولان التيمة نفسها؟ العفو والغفران؟
لو حدث هذا في تونس لأتهم أحد المخرجين بالسرقة السينمائية ولقال عنه الكتبة إنه استوحى الفكرة من زميله ولحبرت مقالات طويلة عريضة مثل التي يكتبها ذلك المتقاعد الثوري النمام ولأشبع سبا وشتما على صفحات الفيسبوك حيث ينتصب جموع من الحمقى محللين سياسيين ونقادا سينمائيين
من اجل هذا أظن أن فضيلة المهرجانات على صناع السينما إتاحة الفرص لاكتشاف ما يشغل الإنسان بصرف النظر عن بلده ودينه ولغته وجنسه
وارجح أن كثيرا من صناع السينما عندنا لا يكلفون أنفسهم عناء مشاهدة أفلام زملائهم في البلد الواحد
هم ممتلئون بذواتهم، مطبوخون بأنفسهم بعبارة المنصف المزغني لا يحتاجون لمشاهدة أعمال غيرهم
“نينا” و”قتل عيسى” فيلمان يتنافسان بقوة على هرم مهرجان القاهرة الذهبي ، لننتظر ونر…