مهرجان الجونة السينمائي ساحل البحر الأحمر، محمد بوغلاب القضية 23 ….القيمة المضافة للمهرجان

0
933

لم أتمكن من السفر إلى مصر في الموعد الذي خططت له، فقد إضطررت بسبب إلتزام عائلي إلى تأجيل السفر مما فوت علي أربعة أيام من الدورة الأولى لمهرجان الجونة السينمائي ( هذه فرصة لأشكر سفير المحروسة في تونس الأستاذ نبيل الحبشي الذي وجدت منه التعامل الراقي والحرص على المساعدة بخلق رفيع)
ما كان يشغلني منذ إمتطيت الطائرة في موعدها نحو القاهرة(على متن مصر للطيران في إنتظار يرحم ربي الخطوط التونسية أو يقف لها أبناؤها) هل سأوفق في مشاهدة فيلم زياد الدويري “القضية 23″؟

فلأقلها بصراحة ، أصلا أنا سافرت للمهرجان من أجل هذا الفيلم، كنت سأشعر بخيبة كبيرة لو فوت مشاهدته .
تذكرت ما دونه ذلك المكتنز معرفة ، ذلك الموظف المتوسط في وزارة الثقافة الذي جاءه المزاج الثور على كبر بعد إحالته على التقاعد .
تذكرت ما قاله بشأني أو بعضه من كوني في مرحلة محو الأمية سينمائيا. زعمة لهذا السبب لم أتمكن من كتابة سطر واحد عن فيلم زياد الدويري؟
منذ مشاهدتي للفيلم يوم الأربعاء الماضي وأنا أؤجل الكتابة …ما الذي يخيفني؟
أنا عادة أرتبك عند الكتابة عمن أحب، ربما كنت أخشى أن ينفلت القلم من عقاله فأكتب ما لا يناسب حبي لمن أكتب عنهم ؟
لست متأكدا من السبب، لنعبر حاجز المشاعر هذا ونتخلص من عبئ حب هذا الفيلم
قبل عشرين عاما جاء زياد الدويري بفيلمه الأول”بيروت الغربية” وترك الفيلم أثرا لا يمحى في أبصار احباء السينما وبصائرهم
فتح الفيلم جراحات الماضي في لبنان، ملف الحرب الأهلية طيلة خمسة عشر عاما، ملف أغلق بداية التسعينات بإصدر مجلس النواب اللبناني عفوا عاما على مرتكبي الجرائم خلال الحرب الأهلية
ربما كان قرارا ضروريا ليتعافى البلد ولكن هل يبرا الجرح دون مداواته من الداخل لمنعه من التعفن؟
هاهو لبنان الرسمي يرشح فيلم “القضية23” لجائزة الأوسكار للفيلم الأجنبي، لبنان الرسمي نفسه أوقفت شرطته زياد الدويري يوم 10 سبتمبر في مطار بيروت ، لأي سبب؟

لأنه صور قبل اربع سنوات مشاهد من فيلم” الصدمة” في إسرائيل، قصة طبيب جراح فلسطيني/من أراضي 48/ يعمل في إسرائيل، يقوم بعلاج مصابين في عملية إنتحارية يكتشف لاحقا أن منفذتها هي زوجته
لم يشفع للمخرج اللبناني تتويج “القضية 23” في مهرجان البندقية بجائزة أفضل ممثل التي إقتنصها الفلسطيني كامل الباشا ولم تشفع للفيلم برمجته في تورنتو ، يستجوب زياد الدويري طيلة ساعتين في المطار ثم يخلى سبيله ليقف أمام المحكمة بجريمة تصل عقوبتها إلى السجن ، زيارة دولة العدو دون ترخيص من السلطات اللبنانية
في الطرف المقابل، تحرض وزيرة الثقافة الإسرائيلية على الفنان محمد بكري لأنه سافر إلى لبنان ، فلبنان بلد عدو ومحمد بكري يحمل جنسية إسرائيلية رغم فلسطينيته، هوية جعلت حياته جحيما حتى أن البعض لا يقدر على فهم قصة الرجل ، هوية ليس له غيرها ولم يبادر أحد من رافعي شعار فلسطين إلى منحه جنسية بلده مشرقا أو مغربا
أحد نوابنا الأشاوس ساءل وزير الثقافة عندنا موجها إليه الإتهام بأن وزارته دعت فنانين من الكيان الصهيوني في أيام قرطاج السينمائية-دورة 2016- (يقصد محمد بكري ) وسبني النائب الضليع في النضال القومي بالإسم في رحاب مجلس الشعب ….لم أجد الوقت للرد عليه بما يناسب عباراته القميئة …أكتفي بالقول: ما أكثر النوائب في بلدي …
في فيلمه الجديد القضية 23 أو “الإهانة” –العنوان الأنجليزي للفيلم-يقدم زياد الدويري قصة خلاف نشأ بالصدفة بين طوني(عادل كرم) المسيحي المتطرف في حبه لبشير جميل (رئيس سابق لبنان وقائد عسكري للقوات اللبنانية زمن الحرب الأهلية) حتى انه يواظب على سماع خطب الجميل في ورشته للميكانيك
يقطن طوني في حي فسوح ذي الأغلبية المسيحية، حي تجري فيه أشغال ترميم تعهد الشركة لمهندس فلسطيني بالإشراف على العمال وتفقد المخالفات في الحي،
حادثة نزول الماء من بلكون شقة طوني على ياسر أشعل النار الكامنة تحت الرماد،هل كان طوني عارفا بهوية ياسر من خلال لهجته؟ هل تعمد إهانته ؟
لم يقف الأمر عند هذا الحد ، يرد ياسر على إستفزاز طوني بكلمة نابية ” عرص”
يلجأ طوني إلى المحكمة يطلب إعتذرا مستحقا من فلسطيني لم يقدر انه ضيف
لن اسرد الفيلم بتفاصيله، سأترك لجمهور السينما في تونس فرصة تلذذ مشاهدته في أيام قرطاج السينمائية التي لا اظنها تغفل عن برمجة فيلم القضية 23
فمهرجان الجونة رغم حداثة سنه نجح في إختطاف الفيلم من مهرجانات أهم لها صيتها عربيا ودوليا
لا أظن نجيب عياد مدير ايام قرطاج السينمائية يغفل عن زياد دويري الذي ولد سينمائيا في قرطاج
يبلغ الفيلم لحظة توتره القصوى حين يرضخ ياسر سلامة للضغوط المعنوية ويقصد رفقة رئيسه في العمل ورشة طوني ليعتذر ولكن الكلمات تتوقف في حلقه
ليفاجا بكلمات طوني مثل الرش الذي ضرب أبناء الوطن في سليانة زمن حكومة إلي يخافوا ربي” يا ريت شارون محاكم عن بكرة أبيكم ”
لا يترك لنا الفيلم الفرصة لنتعاطف كليا مع الفلسطيني اللاجئ في لبنان، كل التعاطف، فليس الفلسطيني ملاكا من السماء، كما لا يدعنا نكره اللبناني المسيحي الناقم على الفلسطيني الذي كلما دخل بلدا خربه
لا يتحرك طوني من عدم، فهو يخفي وجيعة منذ عقود، فقد تعرضت قريته الدامور حيث أفضل أنواع الموز اللبناني لمجزرة فضيعة وهو طفل، كان أحد المحظوظين بنجاته من القتل على يد ميليشيا يروج انها فلسطينية
لطوني وجيعته ولياسر ألمه ومن رحم الوجيعة تنشا الكراهية كما يولد الحب والصداقة …..
فاز الفيلم بالنجمة الفضية لأفضل فيلم روائي في أول دورة من مهرجان الجونة السينمائي، ولعله كان جديرا بالنجمة الذهبية ولكنها خيارات لجنة التحكيم ….
بطبيعة الحال لم يتسرب شيء عن جوائز المهرجان قبل حفل الإختتام كما لا يحدث عندنا ….وسيكون علينا أن ننتظر قادم الأيام لعل زياد الدويري يفعلها في جوائز الأوسكار كما سبق له أن فاز بالجائزة الكبرى لمهرجان مراكش بفيلمه الصدمة وهي المرة الأولى التي يفوز فيها سينمائي عربي بهذه الجائزة ونخشى ان تكون الأخيرة بعد أن إحتجب المهرجان هذا العام لأسباب ليس هذا مجالها ولكن المغرب يتراجع سينمائيا بسرعة قصوى منذ نجح “غلي يخافو ربي” في إزاحة نورالدين الصايل من موقعه كمهندس للسينما المغربية ….