محمد بوغلاب يكتب من مهرجان دبي غداء العيد: لحظة المكاشفة…

0
741

وأنا أهم بمغادرة صالة العرض مع جينيريك نهاية الفيلم اللبناني”غداء العيد” تذكرت السينمائي التونسي الفرنسي ” الإستثنائي” عبد اللطيف كشيش في فيلمهla graine et le mulet إنتاج سنة 2007 ، تذكرت على وجه التحديد مشهد تناول الكسكسي على طاولة العائلة، لم تكن الكاميرا في حركتها المتوترة تعبأ بشيء عدى حركة الافواه وتغير تقاسيم الوجوه خلال عملية الاكل، مشهد ذهب في ظن كثيرين انه اقرب الى العفوي وانه صور منذ الوهلة الاولى
في إحدى المناسبات القليلة التي تكلم فيها المخرج عبد اللطيف كشيش ، قال إنه اعاد المشهد اكثر من مرة وبأن تصويره تطلب 12 يوما بالتمام والكمال واعترف كشيش المهووس بواقعية كل صورة في افلامه بانه اجبر الممثلين على القدوم إلى بلاتو التصوير ببطون خاوية حتى ياكلوا الى الرمق الاخير
تذكرت عبد اللطيف كشيش ومشهد الكسكسي الإستثنائي كما تذكرت فيلم”الوليمة” لمحمد دمق المتوج بالتانيت الذهبي لايام قرطاج السينمائية – إن أسعفتني الذاكرة- وهو أحد أجمل افلام السينما التونسية، وتذكرت مشاهد الاكل في أكثر من فيلم لسكورسيزي وغيره، لأن فيلم”غداء العيد” يدور منذ لحظته الاولى والشخصيات مجتمعة على طاولة الغداء بمناسبة عيد الفصح، إذ تنجح سيدة البيت جوزفين في جمع افراد عائلتها على طاولة الغداء لأول مرة منذ سنتين
يجتمع الكل على الطاولة،جوزفين وزوجها انطوان ، إبنتهما ريتا المغتربة في دبي منذ عامين والتي تخطط للهجرة نحو كندا مع زوجها ربيع ، هي كارهة لكل شيء في لبنان ، مازالت الكهرباء تنقطع عن البيوت رغم إنتهاء الحرب الاهلية منذ أكثر من ربع قرن، وإرتفاع الاسعار خنق الجميع أو يكاد كما أن الأداءات على كل لون وشكل
وعلى الطاولة الابن سارج وصديقته ليلى التي تكشف احداث الفيلم المتسارعة انها شيعية وانها حامل من صديقها ، وعلى طاولة الغداء شقيقة”جوزفين” وابنها سامي الشاب المراهق المتمرد على امه في غياب ابيه العامل بالخليج
يتغير إيقاع الفيلم وتنقلب أجواء الوئام بين الشخصيات بإكتشاف الام “سرقة” مبلغ 12 الف دينار كانت تحتفظ بهافي حقيبة يدها المركونة بعناية في غرفة نومها
ويحاول كل طرف ان يثبت براءته بإتهام طرف آخر والبحث في دفتر التذكارات عما يدينه
زوفان خادمة أثيوية لم تشفع لها امانتها طيلة خدمتها لسيدتها لتكون متهمة مثالية وسارج سبق ان تم إيقافه بسبب المخدرات وإلياس يمر بظروف مادية صعبة …
تتبادل الشخصيات الاتهام والتبخيس وتصل الامور اقصاها بالتلويح بالعنف
بعودة الأب، يكتشف الجمهور أن الام قد أودعت المبلغ في البنك وبأنها نسيت ذلك
كيف جازف لوسيان بورجيلي بصناعة فيلمه الروائي الاول بين اربعة جدران،لا مجال لرؤية العالم الخارجي إلا بإستراق النظر من الشبابيك او عند فتح الباب او من شرفة الغرفة ، شخصيات متنوعة حد التناقض أحيانا تجد نفسها في مواجهة بعضها البعض، ترصدها كاميرا محمولة تلتقط انفاسها دون غفلة …صورة مصغرة عن الحياة في لبنان او في غيره، هو الإنسان في تناقضاته وإختلافاته، في لطفه وغضبه.
حين جلسنا إلى لوسيان بورجيلي ذكر أنه زار تونس قبل سنوات في ورشة قراءة مسرحية في ضيافة توفيق الجبالي وزينب فرحات وسأل: هل من منفذ لتوزيع فيلمه في تونس؟ هو يؤمن بأن تونس رغم ندرة قاعاتها فيها ذائقة سينمائية جيدة تنتظر من يقدحها
فيلم بميزانية صغيرة حتى يتمكن من صناعة غيره هو لا يريد ان يصبح مخرجا شابا في الخمسين من عمره بفيلم يتيم ، كتب فيلمه الاول وأخرجه وأنتجه بنفسه، صدق من قال”الحاجة أم الإختراع”