محمد بوغلاب يكتب من مهرجان دبي: بنزين ترقب قابل للإشتعال …

0
569

مهرجان دبي السينمائي محمد بوغلاب
تشارك تونس في مسابقة المهر الطويل بفيلم “بنزين”لسارة العبيدي ، وسيكون العرض الأول للفيلم يوم الإثنين 11 ديسمبر بحضور السفير التونسي سمير منصر الذي علمنا انه سينظم حفل إستقبال على شرف الوفد التونسي في مهرجان دبي السينمائي وهي حركة نبيلة فيها كثير من المهنية ، ولا نظن وزارة الخارجية قد طلبت منه ان يحتفي بالتوانسة المشاركين في المهرجان
اشيد بتصرف السفير منصر ولا اكتفي بنقد المقصرين أو الغارقين في بحور البروتوكول والبيروقراطية .
وفي ما يلي فراءة لفيلم”بنزين” الذي سيعرض في القاعات التونسية بداية من 24 جانفي 2018
“سلاما لروحك حبيبي ورفيقي، ماكان لهذا الفيلم أن يوجد بدونك” هكذا كانت فاتحة فيلم”بنزين” لسارة العبيدي، تهدي فيلمها الروائي الطويل الأول إلى زوجها(منتج الفيلم ومدير تصويره علي بن عبد الله) الذي إختار المغادرة في شهر ماي، بعد أن إطمأن على “بنزين”
قصة التونسيين مع البنزين مركبة، فهو أولى المواد التي ترتفع أسعارها عند كل تعديل، (لا تستعمل الحكومات المتعاقبة في تونس مصطلح زيادة في الأسعار بل تخاتل منظوريها بعبارة تعديل)

وبإناء من البنزين اشعل البوعزيزي النيران في جسده في مدينة سيدي بوزيد محتجا على وضعه مؤذنا بنهاية نظام إستمر أكثر من عشرين عاما
بنزين سارة العبيدي وعلي بن عبد الله قصة حليمة وسالم، يغادر إبنهما الوحيد أحمد البلاد ليلة 18جانفي نحو جزيرة لامبيدوزا الإيطالية .
كيف فاجأ أحمد أبويه وغادر دون أن ينتبها إلى ما يدور بذهنه؟
مرت تسعة أشهر على مغادرة الإبن، ولا أخبار عنه ، مفقود مثل أخرين يقدر عددهم بأكثر من ألف وخمسمائة إبتلعهم البحر وهم يحاولون العبور نحو حياة أفضل …شباب يموتون لأانهم يحبون الحياة ويتمسكون بالأمل حتى لو كان كاذبا
يطلق التونسيون على الهجرة السرية عبارة”الحرقة” لأن المهاجر يعمد إلى حرق أوراق هويته وحواز سفره قطعا لإمكانية ترحيله نحو وطنه
حرقة بلا بنزين هذه المرة
أما الأب سالم فيقتات من نشاط هامشي بيع البنزين المهرب من ليبيا التي رغم وفرة بنزينها فهي تحترق منذ سقوط القذافي .
بنزين ملعون، يشعل نيران الحرب الأهلية ويدفع ببعض الشباب إلى الموت …

تنتظر حليمة خبرا لا يأتي ليطفئ نار قلبها المشتعلة
لا تهتم كاميرا سارة العبيدي بالحرقة رغم مشهديتها فهي لا تنجز فيلم مغامرات نحو”البر الثاني” ولا تعبأ بشبكات الحرّاقة،ففيلمها ليس بوليسيا، ولا بغفلة أعوان الشرطة أو تراخيهم في الأيام الأولى التي تلت سقوط نظام بن علي
لا تنظر عدسة سارة سوى إلى حليمة وسالم، كيف يعيشان غياب الإبن ؟ فيم يفكران؟ كيف يتعايشان وكل منهما يحمل الآخر شيئا من المسؤولية؟كيف غادر ولدنا دون أن تنتبه؟
يتردد سؤال”شكون حرّق ولدي”( أي من ساعد إبني على الهجرة” ، الحقيقة أن الحوار مخادع، فالسؤال المتخفي هو”من أحرق قلبي على ولدي”
يسكب الأب بنزين المهرّب ، يريقه مثلما أضاع ولده في غياهب البحر، بحر غدار ، تحول إلى مقبرة بلا هوية
لا تعبأ سارة العبيدي بالسياق السياسي المحيط بأحداث الفيلم، تسعة شهور بعد هروب بن علي، تسعة شهور لا تأتي بالولد بل تبعده عن حضن أبويه .
لا تكترث سارة العبيدي في كتابتها لسيناريو بنزين بأول إنتخابات ديمقراطية في تونس بعد الثورة، فالقضايا الكبيرة لا تعنيها، ما يهمها هو التفاصيل البسيطة، القصص الصغيرة التي لا تجدها في كتب التاريخ، المعلم الذي حل بقرية المجني معوضا مؤقتا فإذا به يقضي سبع سنوات عجاف في أرض منسية
أرض قاحلة قابلة للإشتعال في كل لحظة لا مطر فيها
حين تهطل المطر تسارع حليمة بتغطية دراجة إبنها ….وكأنها تحميه من الغرق …
سيخيب ظنك وانت تتلهف للحدث الموالي ، فالفيلم شحيح في تطور الأحداث، هو مرجل يغلي بمشاعر أبوين فقدا إبنهما الوحيد في بلاد تلملم جراحاتها وتحاول الوقوف من جديد
تساهم موسيقى عمر علولو في مضاعفة التوتر بين ثنايا المشاهد ، تذكرك نقرات الموسيقى بدقات الساعة أو صوت حبات المطر ، تطفئ حريقا مشتعلا ….
حالة ترقب ويأس ….قابلة للإشتعال في أي لحظة …ذلك هو بنزين…فيلم مكتوب بحب عاشقين سارة وعلي …