في مهرجان كان جعفر باناهي الغائب الحاضر ….

0
242

محمد بوغلاب يكتب لموقع المجلة من كان
مرة أخرى يغيب المخرج جعفر باناهي عن مهرجان كان ،بسبب استمرار منعه من السفر خارج إيران منذ سنة 2010 ، في العام نفسه خصص له مهرجان كان في حفل الافتتاح كرسيا شاغرا بإعتباره عضو لجنة تحكيم المسابقة الرسمية ولكن نظام الحكم في إيران الذي يحظى بإعجاب عدد من مواطنينا ويتمنون حكما شبيها به في أوطاننا منع باناهي من السفر
والواقع أن المخرج ممنوع قبل السفر من صناعة الأفلام طيلة عشرين عاما ، ولا يمكن تخيل ان يعرض مشهد واحد من أفلام باناهي على شاشة عرض إيرانية ، ومع ذلك تمكن جعفر باناهي من تصوير أفلامه سرا وأرسالها إلى شاشات العالم فخلال السبع سنوات الأخيرة يعد فيلم”ثلاث وجوه” الذي يدخل به باناهي لأول مرة المسابقة الرسمية لمهرجان كان،فيلمه الرابع ،بل إن باناهي فاز بالدب الذهبي لمهرجان برلين عام 2015 بفيلم تاكسي طهران
كان لافتا أن تنتظر وزيرة الثقافة الفرنسية اعلى مدرجات المسرح الكبير”لوميار” أبناء جعفر باناهي وممثلات “ثلاثة وجوه” تكريما لواحد من أبرز السينمائيين في العالم، سيقول البعض ان فرنسا ليست رسول سلام ، وكلامهم صحيح فماعاد زمننا هذا زمن رسل وأنبياء، فرنسا ليست الام تيريزا ، ونحن عربا ومسلمين لسنا شعوب الله المختارة وأنظمة حكمنا ليست النموذج الذي يحتذيه شعوب العالم
هل نحن متفقون؟
يبدأ فيلم”ثلاثة وجوه” بفيديو هاو تلقته الممثلة الإيرانية الشهيرة “بهناز جعفري” من فتاة في اقاصي جبال إيران ، راسها مغطى و الخوف يسكن عينيها وحبل في انتظار رقبتها
لحظات قبل إنتحارها تخاطب الفتاة المذعورة الممثلة الإيرانية الكبيرة”لقد اتصلت بك ولكنك لا تردين وارسلت لك ارساليات قصيرة لم تحظ بردك، انا ارغب في ان أكون ممثلة ولكن عائلتي تمنعني من ذلك لأني سأسبب لهم العار في نظرهم ، طلبت منك المساعدة لانك الوحيدة القادرة على إقناع عائلتي ولكنك لم تفعلي ”
ينتهي الفيديو بوضع الفتاة الحبل على رقبتها ثم يقطع بشكل فجئي
تضطر بهناز جعفري التي تقوم بالدور باسمها الحقيقي وتجسد مهنتها كممثلة الى قطع التصوير وتطلب من صديقها المخرج جعفر باناهي ان يرافقها في رحلة البحث عن الفتاة التي يفترض انها انتحرت
تشعر بهناز جعفري بالمسؤولية في وفاة الفتاة، كيف لم تتفطن الى رسائلها ، لم يصلها شيء فربما هاتفتها على رقم قديم ولكنها حين تبدل رقما تعطيه لاحد اصدقائها، لو اتصلت او بعثت أي شيء كانت ستعلم
ثم لماذا انقطع الفيديو قبل نهايته؟ هل هي عملية مونتاج ؟

بلغت بها الشكوك الى حد اتهام جعفر باناهي بانه هو من دبر السيناريو
ومع ذلك تجد بهناز نفسها مضطرة للمضي في السفر بحثا عن الفتاة
لا يمكن ان نهمل هاتف ام جعفر باناهي لابنها تعاتبه على عدم زيارتها وتسأله هل يسافر ليصور فيلما فيجيب لا؟
نحن إزاء ماذا اذن؟ هل كان باناهي صادقا مع امه وكذب علينا؟ ان لم يكن يصور فيلما فماذا يصنع ؟
وماهو جنس هذا الفيلم؟ هل هو روائي او وثائقي؟ أومزيج بينهما؟ أصلا لا يمكن الوثوق بجعفر باناهي فقد صور فيلما عرض خارج المسابقة في مهرجان كان عام 2011 بعنوان “هذا ليس فيلما”
لا ينجح المشاهد بيسر في الفصل بين باناهي المخرج والشخصية الروائية والممثل ؟ هو أيضا بثلاثة وجوه فأي الوجوه نصدق ؟
يتوغل جعفر باناهي وبهناز جعفري في مناطق نائية حيث لا يتقن السكان حتى اللغة الفارسية ، يتكلمون الكردية وعليك ان تفك رموز ثقافتهم وعاداتهم
حتى حين تريد قطع الطريق الجبلي عليك ان تستعمل منبه السيارة مرة وثانية وثالثة ولكل إشارة دلالة متعارف عليها ، انها لغة الإشارات التي يعتمدونها ويرفضون المساس بها
كيف لبيئة قروية مغلقة ان تقبل بفتاة تمتهن التمثيل كما تحلم”مارزيا”؟ هي تريد الاحتذاء بابنة قريتها شهرزاد التي يمنع الاختلاط بها او زيارتها
تعيش في بيتها منبوذة من مجتمعها القروي فقد الحقت العار بأهلها
الغريب أن جعفر باناهي المتهم بمعاداة النظام الجمهوري الإسلامي الثوري (وبقية اللازمة) لا يضمن فيلمه لا هذا ولا غيره من الأفلام أي إشارة سياسية مباشرة
هو يسرد قصص أناس بسطاء كيف يفكرون وكيف يعيشون ؟؟؟
يسرد حكايات مجتمع يرسم خطوطا حمراء للمراة الممنوعة من حضور مباراة كرة قدم كما في فيلمه”اوفسايد” ، وهو يسرد قصة”مارزيا” الممنوعة من دراسة التمثيل وامتهانه فالتمثيل يلحق العار بالفتاة وعائلتها
هل هذا المنطق غريب عنا؟ أبدا والفضل لزينة القصرينية التي ذكرتنا مشكورة وبارك الله في ابداعاتها الغنائية من قبيل “ناري ناري ويزيني ما جريت وراه ” ذكرتنا باننا حين نبلغ القاع نواصل الحفر ، فقد صرحت دون ان يساء فهمها أنها ترغب في التوبة حتى تقابل ربها بوجه نظيف ، انا لا يهمني هوية القائل ولا جنسه ، قلت فقط من يرى الغناء حرام فليتصدق بما جمعه من مال للفقراء ويعتزل الغناء ويربح الجنة كما يشتهي اما ان يستغلنا ويريد بلوغ الجنة على ظهورنا فلا ، وصحة وفرحة للذين دافعو عن خطاب زينة لهذا السبب او ذاك فكل الطرق تؤدي الى داعش الفكري و طريق الجحيم مفروشة بالياسمين
يجمع النقاد على ان جعفر باناهي استعاد توهجه السينمائي ب”ثلاثة وجوه” بعد بهتة سينمائية لازمته السنوات الاخيرة، توهج ذكرنا بمعلمه عباس كيورستامي حيث يندمج الممثل في الشخصية في سياقها فلا تكاد تفصل بين أي من مكونات الفيلم
“ثلاثة وجوه” سيكون منافسا جديا على السعفة الذهبية لمهرجان كان ل”الكل يعلم” للايراني اصغر فرهادي والروسي المسجون في بلده “كيريل سيريبرينيكوف” بفيلمه “الصيف” …
من قال أن الأنظمة قادرة على لجم مفكريها ؟ من يظن ان السجن يمنع التفكير ويحول دون التعبير ؟
انها العقول الفئرانية، يرى الفأر شقيقه الفأر يلتقط قطعة الجبن قيقع في الفخ ولكنه لا يتعظ ويحذو حذوه
كثير من الحكام وخاصة من العربان يفكرون مثل الفئران …. حتى اشعار آخر